Arabic   |     English


اي مستقبل صناعي ونفطي نريد

لا نحتاج، أو هكذا يُفترض، عندما نقارب ملف الصناعة والنفط الى أدلّة واثباتات لكي نبرهن أننا نتحدث عن مدماكين اساسيين في أي اقتصاد وطني. يكفي أن نذكر أن تصنيف الدول المُعتمد عالمياً، يتحدث عن دول صناعية ودول نامية ودول فقيرة متخلفة. ومفهوم الدولة الصناعية يعني انها دولة غنية، ذات سلطة وسطوة. ومن هنا جاءت ولادة مجموعة الدول الصناعية الثماني التي تضمّ : فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأميركية، كندا وروسيا. وهي أهم وأقوى مجموعة دول في العالم.
انطلاقا من هذا الواقع، يتبيّن لنا أن كسب صفة الدولة الصناعية يعني الوصول الى مستويات متقدمة من الازدهار والقوة.
في موازاة ذلك، نتفق على أن مفهوم الدولة النفطية يعني في الاجمال، دولة غنية تمتلك قدرات مالية مرتفعة بفضل الانتاج النفطي. وفي الواقع، هناك تكامل بين الصناعة والنفط، على اعتبار ان الصناعة تحتاج الى النفط في عملية الانتاج، وكمواد اولية أيضا. وبالتالي، فان وصول دولة نفطية الى مستوى الدولة الصناعية، يجعلها دولة تتمتع باقتصاد متين وقادر على تأمين مقومات العيش الرغيد لمواطنيها، وتحقيق الازدهار والتطور. اضافة الى أن هذه المقومات تساهم بلا شك في ضمان سيادة وحرية الدول التي تتمتع بهذا النوع من الامتياز.
هذا في المفهوم العام. أما في لبنان، فاننا عانينا منذ عقود طويلة من مفهوم خاطئ للأمور، ووضعنا البلد في مواجهة معادلة غير دقيقة، وكأنه كان علينا أن نختار، اما أن نكون بلد خدمات وسياحة أو نتحول الى دولة صناعية. وبشكل عام، اختار القيّمون على رسم السياسات الاقتصادية، دولة الخدمات، ليس بناء على دراسات علمية تُبيّن الجدوى الاقتصادية، بل ببساطة لأنه كان الخيار الأسهل. ففي حقبة الستينيات، كان النفط العربي في أوجه، وتحوّل لبنان الى بلد مستقطب للبترو- دولار، والى بلد سياحي بامتياز، يشكّل نافذة سياحية مميزة للاثرياء العرب، بالاضافة الى السياح الاجانب. هذا الوضع كان يدرّ على البلد اموالا طائلة، ساهمت في الازدهار الاقتصادي. هذه البحبوحة أعمت بصيرة القيّمين على السلطة، وبدلا من الافادة من هذه الاموال، ومن هذا الوضع لبناء قطاع صناعي قوي، تمّ إهمال الصناعة وتسابق الجميع تقريبا على الكسب السهل. لاحقاً، تبين ان قطاع الخدمات، على أهميته، مُعرّض دائما لنكسات، بالاضافة الى انه قطاع لا يستوعب ما يكفي من القوى العاملة لتدعيم الاقتصاد الوطني، واستيعاب الشباب، ودرء مخاطر ارتفاع نسبة البطالة.

هذه النظرة التاريخية السريعة، الهدف منها الوصول الى استنتاج مفاده ان اقتصادات الدول لا تُبنى على قطاع دون آخر. الاقتصاد علم متكامل، لا يتعارض قطاع مع قطاع آخر. في كل الاحوال، علينا أن ننطلق اليوم من الواقع القائم لكي نبني عليه. وقد نجحت الصناعة الوطنية بمبادرات فردية، ومن دون توفُّر الرعاية الرسمية اللازمة، الى بناء قطاع صناعي جيد، يمكن الاستناد اليه لتحقيق برنامج طموح يسمح للبنان بتطوير قطاعه الصناعي لكي يساهم بنسب أكبر في الناتج القومي. هذا التطوير يحتاج الى مقومات اساسية، يمكن تلخيصها بالتالي: اولا- سياسة رسمية داعمة للصناعة، ومؤمنة بقدرة هذا القطاع. ثانيا- توثيق التعاون بين الصناعة والمصارف لكي يتم تثمير القدرات المالية الكبيرة المتوفرة في المصارف لدعم الصناعة. ثالثا – تعاون اضافي بين الصناعة والجامعات اللبنانية، لتوفير مشاريع تستند الى افكار جديدة مبتكرة تعطي الصناعة اللبنانية قيمة مُضافة. انطلاقا من هذه الثلاثية، يمكن بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة في كل الاسواق. وهنا لا بد من الاشارة الى ان القطاع الصناعي، يستوعب حاليا ما نسبته 26 بالمئة من العمالة اللبنانية. وهذا يعطي فكرة عن أهمية تنمية هذا القطاع. وتُظهر دراسة أُنجزت بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) وجمعية الصناعيين اللبنانيين، ان عدد المنشآت في القطاع الصناعي التي توظف أكثر من أربعة عمال بلغ 4033 منشأة، منها 2010 تقع في جبل لبنان (اي ما نسبته 49.8%). وأشارت الدارسة أيضا إلى ان معظم المنشآت الصناعية هي وحدات صغيرة الحجم، اذ ان ما يقارب 78% منها يوظف ما بين 5 و19 عاملاً بينما تمثل المنشآت التي توظف أكثر من 100 عامل 3% فقط من مجموع المنشآت. ولفتت الدراسة إلى ان الناتج الإجمالي للمؤسسات الصناعية التي توظف أكثر من 4 عمال بلغ ما قيمته 6.8 مليار دولار أميركي في العام. كما قدّرت الناتج الفردي السنوي للعامل الواحد بنحو 82087 دولارا أميركيا مشيرة إلى ان قطاع صناعة المواد الغذائية والمشروبات يعتبر المساهم الأكبر في الناتج الصناعي (25.7%).
هذه الأرقام يجب البناء عليها في أية عملية تطوير للقطاع الصناعي في الحقبة المقبلة. في موازاة الصناعة، برز في السنوات الأخيرة عامل جديد واعد يتعلق باكتشاف ثروة نفطية في حوض البحر الابيض المتوسط. وقد أظهرت الدراسات والمسوحات التي أجريت حتى الان، ان لبنان يمتلك حصة جيدة من مجموع المخزون الموجود في شرق حوض المتوسط، وهو مخزون كبير قدّره خبراء بأنه يوازي مخزون بحر الشمال من احتياطي النفط والغاز في العالم. ولا تقل حصة لبنان من هذه الثروة عن 300 مليار دولار. لكن الافادة من النفط والغاز يحتاج الى معالجة معوقات كثيرة لعلّ أهمها وأخطرها اليوم يتعلق بترسيم حدود لبنان البحرية مع كل من سوريا وقبرص واسرائيل. وكان لبنان قد ارتكب خطأ جسيما من خلال الترسيم غير الدقيق للحدود مع قبرص، عند نقطة الالتقاء مع الحدود البحرية الاسرائيلية. هذا الخطأ سمح لقبرص بترسيم الحدود بينها وبين اسرائيل في معزل عن لبنان. وبهذه الطريقة حاولت اسرائيل ان تضع يدها على منطقة لبنانية بداعي انها تقع ضمن الحدود البحرية الاسرائيلية. وهي من المناطق الغنية بالثروة النفطية. في كل الاحوال، ومن منطلق مبدئي، لا يستطيع لبنان أن يسمح لاسرائيل بالاستيلاء على اي شبر بحري من حقوقه. ومن المؤسف ان الوساطة الأميركية التي استمرت على مدى شهور طويلة لم تسفر عن نتيجة وانتهت باعلان الفشل. لكن هذا الأمر لا ينبغي ان يقود الى التشاؤم، فالصراع مع اسرائيل حول الحدود البحرية، لا يختلف عن الصراع على ترسيم الحدود البرية، وتماما كما ان لبنان بقوته ، تمكن من الوصول الى ترسيم خط أزرق، وفرض الهدؤ على الحدود بانتظار الاتفاق لاحقا على كل النقاط الحدودية الخلافية، كذلك يستطيع ان يضمن الهدؤ على الحدود البحرية، وبالتالي، يستطيع ان يستثمر ثروته النفطية رغم وجود النزاع. لكن، ينبغي في البداية الحصول على تعهد بامتناع اسرائيل عن استخراج النفط من المنطقة المتنازع عليها. وهذا الأمر ليس مستحيلا، لأن لبنان لا يزال يمتلك كل اوراق القوة، وفي مقدمها الجيش والمقاومة، لكي يفرض على اسرائيل تسوية مؤقتة تتيح استخراج النفط، ومنع الخلاف الحدودي من تعطيل العملية.
وخارج اطار هذه المشكلة، لا بد من مقاربة موضوع تحوّل لبنان الى دولة نفطية بكثير من التأني والعلم. وعلينا الافادة من تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المجال، لكي نتحاشى الاخطاء والنتائج السلبية التي ترتبت عن الثروة النفطية.
وهنا، اريد ان أركّز على الناحية البيئية، لأنها قد تكون نقطة الضعف الاساسية في موضوع النفط. وقد علمتنا التجارب ان السلطات اللبنانية لا تعير اهتماما حقيقيا للناحية البيئية. وفي مجال النفط، أي اهمال قد يؤدي الى كارثة خطيرة. ولو صدف أن وقع أي حادث، نقتل الحياة الطبيعية على مدى مئات السنين. ومن هنا، ينبغي ان يستحوذ الموضوع البيئي على عناية خاصة عندما يحين موعد استخراج هذه الثروة من أعماق المياه.
الى ذلك، اريد أن ألفت الى ضرورة ان تواكب عملية التحضير للثروة النفطية، ورشة تأهيل كادرات لبنانية للعمل في هذا المجال. ولا بد من الاشارة الى المجالات الواسعة التي يحتاجها التنقيب واستخراج النفط. على سبيل المثال، يورد احد الخبراء انه مقابل كل مهندس في صناعة التنقيب واستخراج النفط والغاز، هناك حاجة الى 5 او 7 تقنيين أو فنيين، منهم على سبيل المثال، من يقوم بأعمال الُلحاّم تحت البحر، وهو يتقاضى 300 دولار عن كل ساعة عمل. هذا النوع من التقنيين يفتقدهم لبنان، ومن الظلم الاستعانة بالعمالة الاجنبية لشغل هذه المواقع، وينبغي بدء العمل منذ اليوم على تنشئة كادرات فنية للورشة النفطية المتوقعة.
يبقى الموضوع الابرز في ملف الثروة النفطية، المتعلق بادارة الأموال التي تنتج عن استخراج النفط والغاز. هذا الموضوع أخذ حيزا واسعا من النقاشات التي ارتدت طابع الصراع السياسي، وصراع المصالح ووصل الامر الى حد تطييف الملف، وإقحامه في دائرة الحصص الطائفية والمذهبية. الواقع ان الأمر يحتاج الى إنشاء صندوق مستقل تُشرف عليه هيئة خاصة لادارة الثروة الناتجة عن استخراج النفط، وهي طبعا تختلف عن الهيئة الناظمة لادارة القطاع التي جرى تشكيلها. الهيئة التي ستدير الاموال، ينبغي ان تكون في صدد تنفيذ السياسة العامة التي يتفق عليها اللبنانيون، من خلال إشراك السلطتين التنفيذية والتشريعية في الاتفاق على العناوين العريضة لادارة هذه الثروة. أما التفاصيل، فتُترك للهيئة الخاصة التي ينبغي ان تضمّ اخصائيين، وأصحاب علم ومعرفة وتاريخ ناصع.
في النتيجة، يستطيع لبنان أن يجمع المجد من أطرافه، من خلال التحول الى دولة نفطية تمتلك قطاعا صناعيا متماسكاً، من دون أن يكون ذلك على حساب قطاع الخدمات والمال والسياحة. لكن تحقيق هذا الهدف يحتاج الى خطة طويلة المدى، والى نية وقدرة على التنفيذ.
رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، واعتقد ان لبنان قام بهذه الخطوة حتى الآن، وما عليه سوى ان يُحدّد مسارهُ بوضوح، ويمضي قدماً الى الأمام.






|   الرئيسية    | عن المجلس    | أخبارنا    | الصور    | اقتصاديات    | اتصل بنا    | روابط مفيدة   |